أبي منصور الماتريدي
624
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ . . . الآية ؛ أن يكون في الاعتقاد والرؤية . ويحتمل أن يكون في حق الفعل نفسه ؛ فإن كان في الاعتقاد والرؤية ، فأهل الإسلام لا يعتقدون [ ذلك ] ، وإن كان في حق الفعل فإنهم ربما يفعلون ذلك . وحمله عندنا على الاعتقاد أوجب وأقرب ؛ لما وصفنا أن اليتيم لا ناصر له ، وليس للكافر خوف العاقبة ؛ لما لا يؤمن بذلك ، وإنما يمتنع المرء في الغالب من سوء الصحبة ؛ لهذين : إما رغبة في جزاء الآخرة ، أو خوف المكافأة في الدنيا ، والمساكين ليس لهم في الدنيا ما يكافئهم ويجازيهم ، وليس لليتيم ناصر ؛ ليخاف منه ، ولم يكن للكافر رغبة في ثواب الآخرة ، ولا خوف من « 1 » العقاب ؛ لعدم تصديقه بذلك . ثم قوله - عزّ وجل - : وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ هو النهاية في وصفه بالبخل ؛ لأن الحث على الصدقة أن يرجيه ويطمعه في ثوابه ، فإذا لم يرج هو نفسه ، فكيف يرجي غيره ؟ مع ما أن الحكمة عند هؤلاء الكفرة أن من جر إلى نفسه نفعا فهو الحكيم ، ومن ضر نفسه فهو جائر غير حكيم ، وهو إذا منع الصدقة نفع نفسه ، وإذا أوفى اليتيم حقه ضرها ؛ فلذلك لا يرغب فيها ؛ فهذا المعنى الذي وصفناه ، دعانا إلى توجيه التأويل إلى الاعتقاد . وقوله - عزّ وجل - : فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ . الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ : إن كان هذا في أهل النفاق ، فأهل النفاق كذلك كانوا لا يفعلون شيئا من الطاعات إلا وكانوا عنها لاهين ساهين ، وإذا فعلوا شيئا منها ، فعلوا مراءاة ؛ كقوله - تعالى - : يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [ النساء : 142 ] ، وقوله : وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ [ التوبة : 54 ] ، فذكر كسلهم وبخلهم ؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله : فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ . . . إلى آخر ما ذكر في المنافقين على ما ذكرنا من نعتهم . وجائز أن يكون في أهل الكفر ، وأهل الكفر كانوا يصلون ، كقوله : وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً . . . [ الأنفال : 35 ] ، أخبر أن صلاتهم في الحقيقة ليست بصلاة ؛ فجائز أن تكون على صورة [ الصلاة الحقيقة ] « 2 » ، وقد ذكر أنهم كانوا يصلون مستقبلين نحو أصنامهم ، يرون « 3 » الناس كثرة اجتهادهم في طاعة الأصنام ، حتى إذا رآهم « 4 » من نأى عنهم ظن [ أن ذلك ] « 5 » حق ، فيكون في ذلك صد عن إجابة الرسول ،
--> ( 1 ) في ب : عن . ( 2 ) في أ : الحقيقة . ( 3 ) في ب : يراءون . ( 4 ) في أ : رأوهم . ( 5 ) في أ : أنه .